الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
252
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بقوله : وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ، فهو مثل ردّ العجز على الصدر . والكتاب : والقرآن . والحكمة : النبوءة . وتعليمه ما لم يكن يعلم هو ما زاد على ما في الكتاب من العلم الوارد في السنّة والإنباء بالمغيّبات . [ 114 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 114 ] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 114 ) لم تخل الحوادث التي أشارت إليها الآي السابقة ، ولا الأحوال التي حذّرت منها ، من تناج وتحاور ، سرّا وجهرا ، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها ، لذلك كان المقام حقيقا بتعقيب جميع ذلك بذكر النجوى وما تشتمل عليه ، لأنّ في ذلك تعليما وتربية وتشريعا ، إذ النجوى من أشهر الأحوال العارضة للناس في مجتمعاتهم ، لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة ، فقد كان فيها المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين ، وكان التناجي فاشيا لمقاصد مختلفة ، فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكّا ، أي خوفا ، إذ كان المؤمنون في حال مناواة من المشركين وأهل الكتاب ، فلذلك تكرّر النهي عن النجوى في القرآن نحو أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى [ المجادلة : 8 ] الآيات ، وقوله : إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى [ الإسراء : 47 ] وقوله : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] ، فلذلك ذمّ اللّه النجوى هنا أيضا ، فقال : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ . فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لإفادة حكم النجوى ، والمناسبة قد تبيّنت . والنجوى مصدر ، هي المسارّة في الحديث ، وهي مشتقّة من النجو ، وهو المكان المستتر الذي المفضي إليه ينجو من طالبه ، ويطلق النجوى على المناجين ، وفي القرآن إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى ، وهو - وصف بالمصدر - والآية تحتمل المعنيين . والضمير الذي أضيف إليه نَجْوى ضمير جماعة الناس كلّهم ، نظير قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ إلى قوله : وَما يُعْلِنُونَ في سورة هود [ 5 ] ، وليس عائدا إلى ما عادت إليه الضمائر التي قبله في قوله : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ [ النساء : 108 ] إلى هنا ؛ لأنّ المقام مانع من عوده إلى تلك الجماعة إذ لم تكن نجواهم إلّا فيما يختصّ بقضيتهم ، فلا عموم لها يستقيم معه الاستثناء في قوله : إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ . وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها المناسبة ، فإنّ شأن المحادثات والمحاورات أن تكون جهرة ، لأنّ الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلّم برأيه ، وعلى شجاعته في إظهار ما يريد إظهاره من تفكيره ، فلا